المبادرات في تعز .. طريق التعايش والسلام(تقرير)

لمرضى القلب في مدينة تعز اليمنية أكثر من قصة مع العلاج.. ففي سنوات ما قبل اندلاع الحرب في البلاد كان غالب محمد، 45 عامًا- يعاني من مشاكل قلبية- يتلقى الأدوية المجانية من الحكومة، لكن الحال تغير منذ العام 2015.

انقطعت الأدوية، وتأزم الوضع الاقتصادي والمعيشي، حتى اضطر الرجل للخروج إلى سوق العمل، ليباشر عمله بائعا لفاكهة الموز، يتنقل بعربيته على أرصفة المدينة من الصباح حتى مساء كل يوم.

العمل عند غالب معركة يومية، لتوفير متطلبات حياة أسرته، إلى جانب الأدوية التي تزيد قيمتها عن 25 ألف ريال، كما يقول.. حال، لا يُحسد عليه، ومعاناة ليست سهلة على رجل أنهكه التعب والمرض.

كثيرون هم من يفتقرون اليوم للمال الذي يحتاجونه لشراء علاجات ضرورية، ناهيك عن غلاء أسعارها الذي جعلهم في مفترق طريقين.. البعض تدهورت حالته الصحية، فيما تعرض آخرون لمضاعفات خطرة، وسط غياب اهتمام الحكومة.

خلال السنوات الأخيرة، تضاعفت أعداد مرضى القلب في تعز.. فالمعلومات تشير إلى أن ما يقارب ثلاثة آلاف مريض يعيشون ظروفًا صحية غير مستقرة، وحياة تتدهور يومًا بعد يوم، يفتقرون للأدوية والمستلزمات الطبية.. الأمر الذي جعل هذه الفئة “المنسية” تطلق نداءات الاستغاثة بشكل متكرر.

هذا النداء دفع المؤسسة التنموية “معكم” قبل عامين ونيف، إلى تأسيس صيدلية مجانية، اتخذت من “التعاون” مقرًا لها.

تقدم هذه الصيدلية 37 صنفًا دوائيًا لشريحة واسعة من المرضى، وتشكل مشروعًا ناجحًا ووحيدًا في المدينة يدار بواسطة نظام وبرنامج إلكتروني، يقوم برصد الحركة اليومية لعملية صرف الأصناف تبعًا لتقرير الحالة ووصف الطبيب المختص في المستشفى.

فائدة

الحجة نبيلة، في الأربعينات من عمرها، تشكو من صمامات القلب.. في السنوات السابقة كانت تذهب شهريًا إلى سوق الأدوية الواقع في منطقة اللجينات، وسط المدينة، لشراء علاجها من الصيدليات التجارية.. لكن اليوم صارت تتجه نحو الصيدلية المجانية التي تمدها بالعلاج منذ عامين على التوالي.. والتي وفرت عليها معاناة البحث عن قيمة الأدوية.

تقول: “نستلم العلاج مجانًا من الصيدلية، وابني يتكفل بشراء العلاجات إذا عانيت من آلام الظهر والمفاصل، أو شكيت من أي مرض آخر.. فكرة خففت على كثير من الناس معاناة البحث عن العلاج الذي ينعدم أحيانًا أو يصعب علينا شراءه”.

مشروع صغير، يعتمد على التبرعات المقدمة من التجار، ورجال الأعمال، وفاعلي الخير.. يحاول توفير أصنافًا كثيرة من الأدوية الخاصة بمرضى القلب، وذلك بهدف التخفيف والحد من المضاعفات التي قد يتسببها عدم تعاطي العلاج.. ويعتبر هذا المشروع لفتة إنسانية لا تزال مستمرة في تقديم أدوية الضغط، وتمييع الدم، والدهون والكوليسترول، وهذا ما يمنح الصيدلية أهمية لدى هؤلاء المنسيون.

مدير مؤسسة “معكم” التنموية، عبد الحميد اليوسفي، يوضح أن “الصيدلية المجانية جاءت استجابة إنسانية طارئة، هدفها مساعدة المرضى الذين حرمتهم الحرب من الدعم الذي كانت تقدّمه الدولة، نظرًا لأن توقف المساعدات عرضت حياة المئات للخطر، لعدم تعاطيهم الأدوية”.

العشرات يتوافدون يوميًا إلى الصيدلية التي تدخل عامها الثالث في توزيع العلاج المجاني والمساندة الإنسانية لعشرين حالة يوميًا.. وبين الحين والآخر يزداد عدد القادمين، ما يشكل ضغطًا على مخزون الصيدلية التي تعتمد على ما يقدمه الداعمين بحسب عامل في الصيدلية.

يقول ياسر عشاري، أحد العاملين في الصيدلية أن “عدد مرضى القلب المستفيدين من الصيدلية، يتزايدون شهريًا.. فمنذ تدشين العمل وحتى اليوم استقبلت الصيدلية آلاف المرضى من الجنسين.. مشيرًا إلى أن مخزون الأدوية ينفذ أحيانًا، وهذا ما يهدد المرضى”.

التعايش.. غاية

كثيرا ماتعمل المشاريع الصغيرة والأصغر كجسور للتعايش المجتمعي.. ففي تعز ظهرت مبادرات تنموية وأخرى خيرية تعمل في التدخل الطارئ لمساعدة المتضررين من الناس، ومحاولة تطبيب جراح البسطاء، والتخفيف من معاناتهم من خلال تلبية بعض الاحتياجات الضرورية.

هذه المبادرات تمثل بارقة أمل تعكس جوهر المجتمع المدني في هذه المدينة، وحقيقة تطلعاته نحو تحقيق السلام والتعايش بين مختلف الفئات والأفراد.

يقول شادي خالد، صحافي إن المبادرات في تعز تقوي الروابط بين الأفراد، والمكونات الاجتماعية المختلفة بل وتجعل المجتمع نسيج واحد، من خلال ما تمنحه للوسط المجتمعي، والدعم الذي تخفف به معاناة الشريحة الأشد فقرًا وتضررًا من الحرب.

لعب الشباب دورا مهما في رفع نسبة المشاركة المجتمعية، وتعزيز مبدأ التعايش والتماسك في المجتمع، وتطبيع الحياة من خلال المبادرات الشبابية والمشاريع التي حققت نجاحا على الساحة الاجتماعية، وتركت آثارًا إيجابية ملموسة في واقع وحياة أبناء تعز.

في ذات الإطار يرى استاذ علم الاجتماع في جامعة تعز، الدكتور محمود البكاري أن “المشاريع التنموية الصغيرة التي تتبناها مؤسسات أو داعمين هي بادرة خير في مدينة تعيش عامها الثامن من الحرب، إضافة إلى المبادرات الشبابية والتنموية التي تعود بالفائدة على قطاع واسع من الناس”.. كما يصف البكاري نماذج كثيرة من هذه المشاريع بانها”حققت نجاحات بفعل تسهيلات مجتمعية وحكومية”.

“تنشر هذه المادة بالتعاون مع مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي”


المصدر: عدن فويس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.